تأمل للبابا بندكتوس السادس عشر امام (كفن تورينو) ترجمة سيادة المطران اميل نونا

الكفن، ايقونة سرّ السبت المقدّس[1]

تأمل للبابا بندكتوس السادس عشر امام (كفن تورينو) خلال زيارته للكفن بتاريخ 2 اذار 2010.

ترجمة سيادة المطران مار اميل نونا

اشكر الله على نعمة هذا الحج، وايضا على نعمة مشاركتي معكم لهذا التأمل القصير، والذي أُوحي لي من خلال عنوان هذه الاحتفالية: (سرّ السبت المقدس).

يمكن ان نقول ان “الكفن” هو أيقونة هذا السرّ، أيقونة السبت المقدس. الكفن بالحقيقة هو قماش الدفن، الذي لُفّت به جثة رجل مصلوب تتطابق بشكل تام مع ما تقوله الاناجيل عن يسوع، الذي صُلب حوالي وقت الظهر، ومات حوالي الساعة الثالثة ظهرا. عندما حلّ المساء، ولان تلك الليلة كانت ليلة قبل السبت الكبير للفصح، فان يوسف الذي من الرامة، وهو رجل غني وعضو متنفذ في السنهدرين[2]، طلب وبشجاعة من بيلاطس البنطي السماح بدفن يسوع في قبره الجديد الذي كان منقورا في الحجر وليس ببعيد عن الجلجلة. وحينما حصل على السماح بذلك اشترى قماشا وأنزل جسد يسوع من الصليب، ولفّه بذلك القماش ووضعه في ذلك القبر (راجع مر 15: 42 – 46). هذا ما يقوله انجيل مرقس، ومعه ايضا تتطابق الاناجيل الاخرى. من تلك اللحظة، يبقى يسوع في القبر الى فجر اليوم الذي بعد السبت، وكفن تورينو يعطينا صورة عن الكيفية التي كان موضوعا بها الجسد في القبر خلال هذا الوقت، الذي كان قصيرا زمنيا (حوالي يوم ونصف)، لكن كان هائلا ومن غير حدود في قيمته ومعناه.

السبت المقدس هو يوم اختفاء الله كما نقرأ في إحدى الكرازات القديمة: (ماذا حدث؟ يوجد اليوم على الارض صمت كبير، صمت كبير وعزلة. صمت كبير لان الملك نام… الله مات بالجسد ونزل ليهزّ ملكوت الجحيم) “كرازة قديمة حول السبت المقدس، ص. 43”. في قانون الايمان نحن نعترف بان يسوع المسيح (صُلب في عهد بيلاطس البنطي، مات ودفن، ونزل الى الجحيم، وفي اليوم الثالث قام من الموت).

الاخوة والاخوات الاعزاء؛ أصبحت الانسانية في زمننا، وخاصة بعد ان عبرنا القرن المنصرم، حساسة بشكل خاص لسرّ السبت المقدّس. اختفاء الله اصبح بشكل اساسي جزء من روحانية الانسان المعاصر، وتقريبا ومن غير وعي، مثل الفراغ في القلب والذي يكبر دائما بشكل اكثر. في نهاية القرن الثامن عشر، كتب نيتشه[3]؛ (ان الله مات، ونحن قتلناه). هذه العبارة المشهورة، اذا نظرنا لها بعمق، نراها مأخوذة تقريبا وبشكل حرفي من التقليد المسيحي الذي نكرره كثيرا في درب الصليب، ومن الممكن من غير ان ننتبه بشكل تام الى ما نقوله. بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية، ومخيمات الحرق الالمانية ومخيمات العمل القسري السوفيتية وهيروشيما وناكازاكي، اصبح عصرنا وبشكل تصاعدي اكثر فاكثر “سبت مقدّس”: ظلام هذا اليوم يتحدى كل الذين يتسائلون ويستفسرون عن الحياة، وبشكل خاص يتحدانا نحن المؤمنين. نحن ايضا نتعامل مع هذا الظلام، او لنا شيء ما معه.

مع ذلك، موت ابن الله، يسوع المسيح له وجّه معارض، ايجابي بشكل تام، ومنبع للتعزية والرجاء. وهذا ما يجعلني افكر ان الكفن المقدّس هو مثل وثيقة “صورية”، فيها “الايجابي” و “السلبي”. بالحقيقة انه بالضبط هكذا: السرّ الاكثر ظلاما في الايمان هو بنفس الوقت العلامة الاكثر اشراقا لرجاء ليس له حدود. السبت المقدّس هو (أرض اللا أحد) بين الموت والقيامة، لكن في (أرض اللا أحد) هذه دخل الواحد الوحيد الذي عَبَرَها حاملاً علامات آلامه من اجل الانسان: (آلام المسيح، آلام الانسان)[4]. والكفن يكلمنا بالضبط عن هذه اللحظة، انه يشهد وبشكل دقيق لهذه المدّة او الفسحة الوحيدة وغير القابلة التكرار في تاريخ البشرية والخليقة، التي بها الله، في يسوع المسيح، شارك ليس فقط موتنا بل ايضا بقائنا في الموت. انه التضامن الاكثر جذرية.

في ذلك (الزمن واكثر من الزمن)[5] يسوع المسيح (نزل الى الجحيم). ماذا تعني هذه العبارة؟

تعني ان الله، الذي اصبح انسانا، وصل حتى نقطة الدخول في العزلة الاقصى والمطلقة للانسان حيث لا يصل اي شعاع للحب، وحيث يملك الهجر التامّ من دون اي كلمة عزاء: (الجحيم). يسوع المسيح، ببقائه في الموت، عَبَرَ بوابة هذه العزلة الاخيرة ليقودنا نحن ايضا لنعبرها معه. كلنا شعرنا احيانا عديدة بشعور رهيب بالعزلة، وما يخيفنا اكثر من الموت هو بالضبط هذا، فمثل الاطفال نخاف ان نبقى لوحدنا في الظلام، وما يجعلنا نطمئن هو فقط حضور شخص يحبنا.

بالضبط هذا هو ما حدث في السبت المقدّس: في مملكة الظلام دَوَى صوت الله. لقد حدث ما هو غير وارد: أي ان الحب دخل وتغلغل (في الجحيم). كذلك في الظلام التام للعزلة البشرية المطلقة نستطيع ان نسمع صوتاً يدعونا لنجد يداً تأخذنا وتقودنا خارجاً. ان الكائن الانساني يعيش لانه محبوب ويمكن ان يُحب؛ واذا تغلغل الحب ايضا في مجال الموت، فذلك يعني بالنتيجة ان الحياة قد وصلت هناك ايضا. في لحظة العزلة التامّة لن نكون ابدا لوحدنا: (آلام المسيح، آلام الانسان).

هذا هو سرّ السبت المقدّس. بالضبط من هناك، اي من ظلام موت ابن الله، حَدَثَ تلقيم[6] نور رجاء جديد: نور القيامة. وهنا يبدو لي ان النظر الى هذا (القماش) بعيون الايمان يجعلنا ندرك شيئا ما من هذا النور. الكفن كان بالحقيقة مغموراً في ذلك الظلام العميق، لكن المُشع بنفس الوقت. وانا أظن انه اذا الالاف والالاف من الاشخاص الذين يأتون ليكرموا الكفن – من غير حساب الذين يتأملون به من خلال صوره – فان ذلك ليس لانهم يرون به الظلام فقط، بل ايضا النور؛ انهم يرون ليس فقط هزيمة الحياة والحب بل بالاحرى الانتصار؛ انتصار الحياة على الموت، انتصار الحب على الكره. انهم يرون بالتأكيد موت يسوع، لكن يَلمَحون ايضا قيامته؛ في حضن الموت تنبض الآن الحياة حيث يسكن الحب. هذه هي قوة الكفن: من وجه “أنسان الآلام” هذا، الذي يحمل بذاته آلام انسان كل زمان ومكان، حتى آلامنا ومعاناتنا وصعابنا وخطايانا، تنطلق – من هذا الوجه – عظمة مهيبة، وسيادة متناقضة.

هذا الوجه، وهذه الايادي وهذه الأرجل، وهذا الجَنب، وكل هذا الجسد يتكلم؛ انه هو نفسه كلمة نستطيع ان نسمعها في الصمت. كيف يتكلم الكفن؟

يتكلم من خلال الدم، والدم هو الحياة. الكفن هو أيقونة مكتوبة بالدم؛ دم انسان مَجلود، مُكلل بالشوك، مصلوب ومجروح بالجنب الايمن. الصورة المطبوعة على الكفن هي صورة انسان ميت، لكن الدم يتكلم عن حياته. كل مسارات الدم في هذا الكفن تتكلم عن الحب والحياة. وبشكل خاص تلك اللطخة الكبيرة بجانب الجَنب الايمن، المعمولة من الدم والماء الخارجان بشكل غزير من الجرح الكبير الذي حدث بسبب ضربة الرمح الروماني؛ ذلك الدم وذلك الماء يتكلمان عن الحياة. انهما مثل النبع الذي يهمهم في الصمت ونحن نستطيع سماعه، نستطيع الاصغاء له في صمت السبت المقدّس.

اصدقائي الاعزاء، لنمجد الرب دائما من اجل حبه الامين والرحيم. منطلقين من هذا المكان المقدس، نحمل في اعيننا صورة الكفن، ونحمل في القلب كلمة الحب هذه، ونمجّد الله بحياة مليئة من الايمان، والرجاء والمحبة. شكرا

 

[1] يقصد سبت النور.

[2]  السنهدرين، هو المجمع الذي كان يضم الكهنة الكبار، وكبار الطبقة الارستقراطية والنبلاء، ورؤساء الكهنة السابقين، ويديره رئيس الكهنة الذي يكون بالمسؤولية حينها. وكان يدير هذا المجمع كل الشؤون الدينية والاجتماعية والعامة لليهود.

[3]  فريدريك نيتشه، فيلسوف الماني (1844 – 1900). تعدّ اعماله وما كتبه الهاما للمدارس الوجودية وما بعد الحداثة. وقد رفض نيتشه المسيحية والمثالية الافرطونية والاديان بشكل عام، ودعا الى تبني اخلاق جديدة.

[4]  انها ترجمة لعبارة لاتينية تاتي في الليتورجية اللاتينية وتعني ان آلام المسيح هي آلام الانسان.

[5]  يستخدم البابا هنا مصطلح ايطالي من تاليفه، يريد ان يقول به ان تلك اللحظة هي في الزمن لكنها اكثر من ان تكون مثل الزمن العادي. تلك اللحظة هي توقف الزمن الذي نعرفه، لان حياة الرب توقفت بالموت، لكن بنزوله الى الجحيم ومع آلامه تمكّن من ان يعبر المجال الذي ليس به حياة من خلال حبه وحياته.

[6]  فعل التلقيم يقصد به هنا التطعيم، حيث ان النور بدأ يوضع في الظلام كي بالاخير يُشرق كله من هذا الظلام. .

About St Thomas

x

Check Also

his Grace Archbishop Amel Nona presenting His sixths lecture of Lent last Sunday

Continually with the series lectures of His Grace Archbishop Mar Amel Nona during Lent, the ...