مقالة لسيادة المطران مار اميل نونا: هل المسيحية تمتلك الحقيقة كلها؟

هل المسيحية تمتلك الحقيقة كلها؟

 

حينما يقول يسوع لبيلاطس (مَن كان مِن الحقيقة يُصغي الى صوتي) يسأله بيلاطس (ما هي الحقيقة؟) ولا يكتب انجيل يوحنا ان يسوع جاوبه، بل ينقطع الحوار بهذا السؤال. سؤال بيلاطس عن الحقيقة، يختصر طريق طويل من التفكير والكلام عنها في الفكر الانساني، وكذلك يعطي رؤية مستقبلية للموضوع الاكثر تشويقا في مسار الفكر البشري والذي على اساسه تمّ ويتم تحديد الكثير من السلوكيات في الحياة.

من ضمن الاعتراضات التي تقال ضد الاديان بشكل عام انها تدّعي بامتلاكها الحقيقة الكاملة وغيرها لا يمتلكها كلها بل تكون ناقصة. هذا الاعتراض يقام ضد المسيحية بشكل خاص وبالتحديد منذ الثورة الفرنسية التي فتحت الافاق لما يسمى “الفكر الحرّ” الذي يقوم على اساس ان لا وجود لشيء اسمه حقيقة كاملة بل هناك حقائق ممكن استنباطها من الواقع المُعاش لتلائم الحياة التي يريدها الشخص نفسه.

الا ان هذا التيار كان له بشكل مؤكد جذور في الرؤى المختلفة لما نسميه “الحقيقة” ويمكن ان نعطي ثلاث امثلة رئيسة لتلك الجذور الفكرية لموضوع الحقيقة.

لنبدأ بالفلاسفة الاغريق وبالتحديد من افلاطون[1].

الحقيقة عند افلاطون يجسدها عالم “المُثل”، ومن هنا تكون المعرفة الحق في نظره هي إدراك عالم المُثل في صورته المطلقة بواسطة الجدل الصاعد، أي ذلك المجهود الفكري الذي ينتقل بنا من الأدنى إلى الأعلى، من الحسي إلى المجرد، ويخلّصه من أوهام المعرفة الحسية.

بكلمات اكثر بساطة نقول ان الحقيقة عند افلاطون تتجسد في عالم “الالهيات” وليس من ضمن العالم البشري المادي، الا انه من الممكن ومن خلال الترفّع عن الماديات والمحسوسات ادراك هذه الحقيقة – ليس بشكل كامل – بواسطة الجهد الفكري. بهذه الحالة كل ما يخص العالم البشري هو “عائق” امام الوصول الى الحقيقة الكاملة التي تنتمي الى العالم الالهي.

تلميذ افلاطون الفيلسوف ارسطو[2]، يخالفه الرأي بحيث يرى ان كل شيء في هذا العالم عبارة عن جوهر (ماهية) وصورة. الجوهر هو الحقيقة الثابتة التي على المفكر أن يصل إليها وأن يدركها في شكلها المطلق. لكن ذلك لن يتم إلا من خلال التمثل الحسي للصور. فمعرفة الصورة تساعد على معرفة الجوهر، لأن الحسي هو الطريق إلى المجرد والمعقول، شرط أن نعرف أن الحقيقة لا تتاح كاملة إلا بتجاوز الحسي. اي ان ارسطو يعطي اهمية اساسية للمحسوس والمادي ضمن مسار الحصول على الحقيقة الكاملة.

في نهاية العصور الوسطى وبداية الحديثة يقوم ديكارت[3] بثورته الفكرية التي فيها ياخذ كل ما سبقه من مجهود فكري ويخضّه ليخرج بشيء ثوري جديد. فبحسب  ديكارت ان الحقيقة هي من إنشاء العقل نفسه. فالحقيقة هي ما ينتهي إليه الشك. وعلى هذا الأساس لا يكون الحقيقي إلا ما هو واضح وبديهي ومتميز. أو بتعبير آخر، إن معايير الحقيقة تتلخص في البداهة والوضوح والتميز.

من هذا المنطلق نستطيع أن نفهم (الكوجيتو) الديكارتي: “أنا أفكر إذن أنا موجود“. فخاصية التفكير هي حقيقة الوجود البشري وإذا توقف الإنسان عن التفكير توقف عن الوجود. على اساس هذه الفكرة الجديدة يلغي ديكارت وجود الحقيقة الكاملة المطلقة، مُركّزا أية حقيقة على الفكر البشري وليس وكأن هناك حقيقة كاملة مطلقة.

الفكر الديكارتي كان هو الاساس لكل ما جاء بعده تقريبا من انفصال عن مفهوم الحقيقة كشيء كامل منفصل، واصبحت التيارات تتبارى لتقدم ما يدحض وجود هذه الحقيقة الى ان وصلنا الى “التيار الليبرالي الحر” الذي يدّعي بان الحقيقة لا وجود لها، بل ما يقوم به الانسان ويعرف انه ملائم له فذلك هو الحقيقة.

هذا الاستعراض السريع لتطور رؤية مفهوم “الحقيقة” يجعلنا نعود لنرى كيف تنظر المسيحية الى هذا المفهوم. وبالعودة الى النص الانجيلي ليوحنا وحوار يسوع مع بيلاطس يمكننا ان نرى أسس رؤيتنا الايمانية للحقيقة. لكن قبل ذلك علينا ان نؤكد ونعلن ان المسيحية لم تقل ولا تقل ابدا انها تمتلك الحقيقة الكاملة، بل انها تؤمن بالحقيقة الكاملة. وهناك فرق كبير بين الاثنين.

حينما يقال “امتلاك الحقيقة”، فذلك يعني ان تلك الحقيقة اصبحت في متناول اليد، وهي ملكية خاصة يمكن السيطرة عليها والقيام باي شيء باسمها او حتى تحويرها.

حينما يقال “الايمان بالحقيقة”، فذلك يعني ان هناك اعتقاد راسخ بوجود تلك “الحقيقة”، وبالتالي هناك مسيرة ثقة واكتشاف وتحقيق لما يتم معرفته والايمان به من تلك الحقيقة. وهذا يؤدي الى ان تكون هناك رحلة مستمرة من الاكتشاف والتحقيق، فلا يكن هناك مجال للامتلاك النهائي، او التحوير او السيطرة.

اذن ممكن ان نقول ان النموذج الثاني ينتج دينامية مستمرة للحياة، تستند على الفرح باكتشاف الحقيقة في لحظات الحياة، والرضا والشعور بالامتلاء حينما يتم في كل مرة تحقيق ما تمّ اكتشافه.

الايمان المسيحي يستند في جوهره على الايمان بان هناك حقيقة كاملة لكل شيء مخلوق. وهناك بالاخص “حقيقة كاملة” للحياة البشرية. لا يمكن ان تكون مسيرة المخلوقات من دون “مبدأ ثابت تنطلق منه” و”غاية تامّة” تسير نحوها لتصبح ما هو ملئها الحقيقي.

هذه الرؤية الواقعية للحقيقة نستشفها من نص انجيل يوحنا اعلاه، حيث يقول ربنا يسوع (مَن كان من الحقيقة)، بمعنى انه يوجد مبدأ ثابت هو الحقيقة الكاملة التي هي اساس انطلاق الحياة. الحياة لا يمكن ان تكون نتيجة صدفة محضة بل هي ثمرة عمل وتخطيط الذي هو الحقيقة الكاملة.

وحينما يؤكد ايضا ربنا يسوع بقوله (يصغي الى صوتي)، فهو يريد ان يعلن ان الكمال البشري يكون بالدخول في هذه الحقيقة الكاملة من خلال الاصغاء الى يسوع المسيح، فهو في عالمنا البشري الحقيقة الكاملة.

من هنا نستطيع ان نقول ان المسيحية لا تؤمن بحقيقة نظرية مجردة مبنية على معطيات العقل او القلب فقط، بل ان “الحقيقة الكاملة” بالايمان المسيحي هي شخص حيّ.

ان الحقيقة عندنا هي شخص يسوع الحيّ في كنيسته ومؤمنيه، وليست فكرة معينة، او ايديولوجية فكرية او سياسية او اقتصادية.

نحن نؤمن بان هناك “حقيقة كاملة” خارج عن تفكيرنا ورؤيتنا ونظرتنا للحياة، ولسنا نحن مخترعيها او ندّعي بانها هي ما تلائم وضعنا وظروفنا البشرية او متعتنا او رغباتنا، او ندّعي امتلاكها فنحوّرها ونجعلها في خدمتنا.

الحقيقة بالنسبة لنا هي “يسوع المسيح”. والايمان بهذه الحقيقة يعني محاولة اكتشاف وجود يسوع بالحياة وذلك بواسطة اظهاره كشخص حيّ في لحظات حياتنا ومسيرتنا بعدما نكون قد اخذناه وتناولناه كجسد ودم حيّ مقدس.

وهذه “الحقيقة: يسوع” ليست ذا بُعد فردي فقط، اي تخص الشخص لوحده، بل لها بُعد اساسي وجوهري وهو “الجماعي”. حيث لا يمكن اكتشافها بالجهود الشخصية والفردانية المنغلقة فقط، بل حصرًا من خلال الوجود الجماعي الذي تمثله في المسيحية الكنيسة.

من هنا تأتي اهمية وجود المؤمن ضمن الكنيسة لانه فقط ضمن هذا المحور الجماعي يستطيع الفرد ان يكتشف ويرى (حقيقة المسيحية الكاملة).  

 

سدني

14/11/2018

 

 

 

 

 

[1] فيلسوف يوناني (427 – 347 ق.م)

[2]  فيلسوف يوناني (384 – 322 ق.م)

[3] فيلسوف فرنسي (1596 – 1650 م)

About wassan sitto

x

Check Also

His Grace Archbishop Nona presenting His last lecture (Blood Shed) of the series lectures during Lent

On the Palm Day, Sunday 14/4/2019, His Grace Archbishop Amel Nona presented His last lecture ...