مقالة: القسم الثاني (“الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟) لسيادة المطران مار اميل نونا

 

“الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟

 تأليف: الاب فينجينزو أنسيلمو.

ترجمة: المطران أميل نونا

 

 

هل الغالبية هي دائما على حق ؟ (عدد 13 – 14).

في سياق احداث الكتاب المقدس نلتقي لاحقا بشعب اسرائيل في مسيرته الصعبة وغير المؤكدة نحو ارض كنعان. عليهم ان يقرروا إن كان عليهم ان يثقوا بوعد الله أم يعتمدوا على مخاوفهم وقلقهم. الى أي صوت سيصغي شعب اسرائيل؟ هل سينهار الشعب امام الكلمات الزائفة والانهزامية أم سيحاول ان يسمع لكلمة الله؟ في حالتنا هنا لا توجد جهة خارجية مثل الحيّة في ملعب الرواية؛ لا بل الناس انفسهم هم اصحاب الكذب الذي يشوّه صورة الارض الموعودة، ويُضعِف روح الذين هم في هذه الرحلة.

حينما نقرأ الفصلان 12 – 13 من سفر العدد، فاننا نجد شعب اسرائيل على عتبة ارض كنعان بعد رحلته خلال الصحراء. في تلك الرحلة، اهتم الله بالشعب ووفر له الاكل. الله يأمر موسى بان يرسل بعض الرجال ليكتشفوا ارض كنعان، مُؤَكِّدًا ارادته في ان يعطيها لاسرائيل (راجع عدد 13: 1-2). كلمة الله هذه جديرة بالثقة وتجعل  من نياته واضحة ولا لبس بها امام الشعب. يطلب الله ان يكون لكل سبط ممثل عنه بين المكتشفين، ويكون رئيسا من بينهم. هكذا سيكونون رجال لهم سلطة ومصداقية امام الشعب. يرسل موسى المستكشفين ويعطيهم توجيهات شاملة. بعد اربعين يوما من الاستكشاف يرجعوا الى شعب اسرائيل ويخبرونه بكل ما راءوه في كنعان، عارضين لهم الثمار التي جمعوها من الارض. في هذه المرحلة، يقدم الراوي عدة خُطب تعكس وجهات نظر متعددة، مخالفة الواحدة للاخرى بشكل واضح. بالنسبة للشعب، أية كلمات لها المصداقية؟ أية خطبة من هذه الخطب تنطق بالحقيقة، وأية منها كاذبة؟ الراوي كُلّي المعرفة وكلمة الله ستكونان البوصلة التي يستخدمها القارء كي يعرف اين تكمن الحقيقة.

التقرير الاول للمستكشفين يبدو ايجابيا: (قد دخلنا الى الارض التي ارسلتنا اليها، فاذا هي بالحقيقة تدر لبنا حليبا وعسلا، وهذا ثمرها. غير ان الشعب الساكن فيها قويّ والمدن محصنة عظيمة جدا، ورأينا هناك بني عناق) عدد 13: 27-28. هذه الكلمات مصوغة بعناية من اجل استدراج الشعب الى فخ. المستكشفون أكّدوا سخاء الارض التي زاروها، لكن وبنفس الوقت ادخلوا في ذهن المستعمين ان اسرائيل لا يستطيع ان يتنافس مع الذين يعيشون هناك والذين هم أقوى واكثر تسلّحا. خطبة المستكشفين – ومن خلال قرائتنا لما بين السطور – مبنيّة كي تتلاعب بالناس وتقودهم بعيدًا عمّا وعد به الله. لقد قالوا الحقيقة اولا (الارض هي جيدة)، لكن بعدها يقوضون واقع ان الهدف قابل الوصول اليه وفي متناول اليد (غير ان الشعب الساكن فيها قوي). المحصّلة هي تثبيط عزيمة اسرائيل، مُضعفين الثقة بالله، كي يخاف الشعب من الدخول الى ارض كنعان.

في هذه النقطة، واحد من المستكشفين وهو كالِب، يحاول ان يتدخل كقوة مقابلة لما قد قيل من قبل الآخرين، ويشجّع الشعب ليتمسك بنيته الدخول الى كنعان؛ (وأسكت كالب الشعب امام موسى قائلا: نصعد نصعد ونمتلك الارض فاننا قادرون عليها). لكن الرجال الذين ذهبوا معه يقولون؛ (لا نقدر ان نخرج على هذا الشعب، لانه اقوى منّا) عدد 13: 30-31. كالِب راى نفسه لوحده بينما المستكشفين الاخرين اصبحوا اكثر علانية في اعاقة واضعاف روح الشعب.

في هذا التضارب بين وجهات النظر التي هي على طرفي نقيض يتدخل الراوي الكلّي المعرفة والموثوق به. تدخّله يوجّه القارئ، الذي هو في خطر ان يضيع في لعبة وجهات النظر المتعارضة، ويعبّر – الراوي – عن حكم واضح لا لبس فيه حول كلمات المستكشفين؛ (وشنّعوا امام بني اسرائيل على الارض التي استطلعوها وقالوا “الارض التي مررنا بها لنستطلعها هي ارض تأكل اهلها، وكل الشعب الذي رأيناه فيها أناس طوال القامات. وقد رأينا هناك من الجبابرة جبابرة بني عناق، فكنّا في عيوننا كالجراد، وكذلك كنّا في عيونهم”) عدد 13: 32-33.

المستكشفون يبثون تقريرا زائفا كاذبا حول الارض التي اعطاها الله لاسرائيل (راجع عدد 13: 1-2). الراوي يبين ان المعلومة التي اعطوها لا اساس لها ومُحرَّفة. فكلامهم فيه غلو وتنافر، ومملوء بالمبالغات والتناقضات. اولا وقبل اي شيء، الارض التي وصفوها بانها تدرّ لبنا وعسلا تصبح الان الارض التي تأكل اهلها. المستكشفون ايضا يذكرون بني عناق، لكن هذه المرة يذكرونهم كمنتمين لجنس الجبابرة. الارض لم تعد – بحسب كلامهم الاخير – شيئا جميلا وجيدًا، بل تظهر ككيان اسطوري مُعادي وخبيث، مثل الارض القفر، ومثل الخواء الذي كان قبل الخلقة (راجع تك 1: 2)، بينما سكان كنعان يوصفون مثل الوحوش البدائية، وانصاف الالهة الذين طُردوا الى الارض (راجع تك 6: 4).

المستكشفون شدّدوا على تفاصيل معينة وجعلوا روايتهم تتلون ليخدعوا اسرائيل ويتلاعبوا بالقرار. لقد بذروا معلومات لا اساس لها واخبروا عن حكايات طويلة، مُحرّفين نفس الكلمات التي استعملوها من قبل. اذن رؤساء الشعب، وتحت عباءة السلطة المفترضة، يقدّمون معلومات مغلوطة، زارعين الخوف والوهن في الناس. المستكشفون يلعبون على الخوف من المجهول والحكم المسبق تجاه ما هو مختلف وغير معروف. بالنهاية يبنون وجهة نظرهم، المستندة على الخوف، على شعب كنعان. رؤساء اسرائيل يشعرون بانهم صغار، ويفكرون بان الاخرين يرونهم بنفس الشكل.

الشعب، ومع الاسف، يتأثر بالكلمات والخوف الذي يتم نقله من قبل المستكشفين ويعطي المصداقية لاكاذيبهم. رأي الرؤساء الاغلبية يسود على صوت كالِب المنعزل. وهكذا تمّ خنق وكبت الرأي الوحيد غير الانهزامي. الشعب يصرخ ويبكي، معبرًا عن خوفه ويبدأ بالتذمر معبرًا عن عدم رضا ونفاذ صبره من موسى وهارون.

في الصحراء كانت هناك اوقات اخرى حيث تذمّر شعب اسرائيل: في مارّة من اجل نقص الماء الصالح للشرب (راجع خر 15: 24)؛ بعدها يتندمون على قدر اللحم والخبز اللذان كانا ياكلانهما في مصر (راجع خر 16: 2، 7-8)؛ وايضا ثانية بسبب نقص الماء (راجع خر 17: 3). مع انه كانت توجد هذه التذمرات من قبل، الا ان هناك شيء جديد في نية الشعب في حالتنا: (لِنُقِم رئيسا ونعد الى مصر) عدد 14: 4. فالذي كان يمكن ان يُدعى “الحنين الى مصر” اصبح هنا الرغبة في العودة. شعب اسرائيل يعكس كل ما قام به الله من اجل تحريرهم من العبودية، ويضع تحت المسائلة سلطة موسى، وبالنتيجة ايضا سلطة الله.

كالِب مع يشوع يعارضان وبشجاعة محاولة “الانقلاب” هذه ويذكّران شعب اسرائيل بأسم الله الذي قد تمّ تأسيس رجائهم عليه. (لكن على الرب لا تتمردوا، ولا تخافوا شعب هذه الارض، فانه طعام لنا وقد زال عنه ظلّ حمايته، والرب معنا فلا تخافوه) عدد 14: 9. هذه المحاولة من قبل الاثنين لجعلهم لا يخافون ليس لها اي تأثير، لان الناس قد عَميت بسبب الهلع والغضب، وفي نيتها رجم الذي يريد ان يفيقها من هذه القيلولة ويحاججها.

الكذب يقود الى الخوف، والخوف يقود الى عتبة العنف، الى ان يتدخل الله ويوقف جنون الشعب. نتيجة لذلك، يتم تأجيل الدخول الى كنعان للجيل القادم، بينما يقضي اسرائيل اربعين سنة اخرى مرتحلا في الصحراء قبل ان يرى الارض التي اراد الله ان يعطيها له (راجع عدد 14: 29-30).

في بداية الرواية، كلمة الله أعلنت ان أرض كنعان ستكون لاسرائيل. هذا الصوت الناعم لكن الموثوق به كان له صدًا ضعيفًا على مسامع الشعب، الذي فَضَّل ان يصغي الى تبجحات المستكشفين المملوءة من الكلمات الرنّانة. بالنتيجة الخوف يسود على الثقة. حينما يخلق التعارض بين وجهات النظر المختلفة صعوبة للقارئ، فان الراوي يتدخل للتوضيح بواسطة رؤية موثوق بها. الراوي يقود القارئ ليميّز الاكاذيب المدعومة من الاغلبية، عن الحقيقة المُؤكَّدة فقط من قبل شخصين، كالِب ويشوع.

خاتمة

هل يمكن القول ان الكلام الاكثر اقناعا هو الأحق بالتصديق؟ هل الكلمات الاقوى والفخمة هي الموثوق بها اكثر؟ هل الرأي المدعوم من الاكثرية هو الحقيقة بشكل اوتوماتيكي؟ الروايات في سفر التكوين (3) وسفر العدد (13 – 14) تُظهر كيف ان تحريف الحقيقة يخلق للقارئ مشكلة في التمييز، والتي هي ممرتبطة باختيار الجهة التي يلزم التحالف معها. أية كلمة هي الحقيقة التي تقود الى الحياة؟

ان الذي خدع المرأة كانت الشكوك التي تغلغلت من كلام الحيّة بصوتها المُقنع والآسِر، بالاضافة الى الوعد المُغري بان تصبح مثل الله. الا ان الراوي يفضح الاكاذيب والمكائد، موصِلا للقارئ كلمة الله الحقيقية والموثوق بها. في قصة سفر العدد، الخداع هو مرتكز على إحباط الشعب، مُثيرًا الاوهام والخوف، ومؤجّجًا القلق بوجه الشيء الجديد، والذعر تجاه الغريب الذي تتم رؤيته كخطر وحشي. في ديناميكية الرواية، يستطيع القارئ المنتبه ان يميّز لعبة وجهات النظر المعارضة، بواسطة الثقة بالراوي وبوعد الله.

اليوم ايضا ممكن ان تساعد هذه الروايات القارئ في تحديد – من بين كلمات كثيرة تدّعي انها الحقيقة – الكلمات التي تستحق التصديق اكثر من غيرها، مُميّزًا تلك الآليات التي تُحرّف الواقع وتتلاعب بالاحكام من خلال تركيزها على العواطف السهلة الاثارة. يقول كتاب الامثال: (قلبُ البار يتروى في الجواب، وأفواه الاشرار تطفح بالخبائث) أم 15: 28. في عالمنا المحموم بانتاج الاخبار والاراء، يدعونا الكتاب المقدس الى ان لا نكون مرتبكين، بل نتوقف، ونفكر، ونتأمل، ولا نسمح لانفسنا بان يتم أخذنا بعيدًا من خلال فورية – استعجال – الشعارات (slogan) التي تفترس الخوف او تعطي وعودا جذّابة لكن فارغة.

في اللغة العبرية كلمة الحقيقة هي “emet“، وتأتي من الفعل “`mn” والتي تعني حرفيا؛ “ان يكون راسخا، مستقرا، صلبا، أمينا”، وبالتالي “يكون آمن، متأكّد، حقيقي”. هذه الثقة يتم وضعها فقط في الله، الذي هو أمين لشعبه وهو ضامن الحياة الحقيقية والحرية.

 

About St Thomas

x

Check Also

His Grace Archbishop Amel Nona presenting His fifths lecture (Dumbness) last Sunday

with the Lent series lectures of His Grace Archbishop Amel Nona, the fifths lecture was ...