مقالة: الانعام البولسي والبطرسي ج2 ( الانعام البطرسي) للاب ثائر الشيخ

الانعام البولسي والبطرسي ج2

الإنعام البطرسي

سُمي هذا الإنعام ب “البطرسي” نسبة الى مؤسسه ونشئتهِ، أي من “خلفاء” القديس بطرس الرسول “البابوات”، والتي يعود تأسيسه الى الوثائق الصادرة من البابوات، ابتداءاً من القرن السادس عشر[1]. والتي منحت نائب المسيح “البابا” السلطة النيابية المطلقة لفسخ زواج “صحيح غير مكتمل”، والتي حدد القانون الكنسي بعدها حالات تطبيقه، الا انه لم يحصرها، وترك أمر تقديرها المطلق لسلطة خليفة بطرس.

سنتحدث في الجزء الثاني من هذا المقال عن منح الإنعام البطرسي في ثلاث حالات مختلفة وهي:

اولا: الإنعام البطرسي في حالة وجود تعدد الزوجات او الازواج؛ وثانيا: في الحروب والاضطهاد او السجن؛ وثالثا: الشك في وجود عقد زواج “صحيح”.

القسم الاول: الإنعام البطرسي في حالة تعدد الزوجات او الازواج

ما زالت بعض الشعوب والقبائل وحتى بعض الاديان تعترف لا بل وتشجع على تعدّد الزوجات، واخرى تسمح لتعدّد الازواج في صالح زوجة واحدة. وبخصوص موضوعنا الحالي “الإنعام البطرسي”، تصبح الامور اكثر تعقيداً. خاصة لانها تمس ليس زوجاً واحداً او زوجةً واحدةً، بل تمس زوجاتٍ عديدات او ازواجاً عدّة، وبالتالي اطفالاً كُثر أيضا.

إذا كان أحد الاشخاص، متزوجاً من إمراتين او أكثر، واقتبل سر العماد، فيجب عليه الاحتفاظ بزوجة واحدة فقط، وذلك تماشيا مع خواص سر الزواج المسيحي الكاثوليكي (الوحدة واللاإنفصام)، والذي يؤكد على وحدانية سر الزواج وعدم السماح بتعدد الزوجات. ولأن الزوجة الاولى هي من تمثل، بحسب الشريعة الطبيعية، الزوجة الصحيحة والقانونية، فيرجح الاحتفاظ بها، وترك الزوجات الأُخر[2]. ويسري هذا ايضا على المرأة غير المعمدة والتي لها في نفس الوقت عدّة ازواج غير معمدين، فعليها الإلتزام بالزواج الأول وإهمال الآخرين(ق: 859 بند 1).

وبعد نيل أحد الأزواج سرّ العماد، يجب الاحتفال بالزواج بحسب الصيغة المُقررة في الشرع الكنسي الكاثوليكي (ق: 859 بند 2)، وعلى كل ما يقتضيه القانون ايضا في حال الزواجات المختلطة (ق: 803 و 813). وفي هذه الحالة، يجب الحفاظ على العدالة والإنصاف والمحبة في ضمان الحياة الكريمة للزوجات الأُخر والاولاد الناشئين من تعدد الزوجات هذا (ق859 بند 3).

ويمكن في الوقت نفسه، أن يأتي “الإنعام البولسي” ايضاً لصالح إيمان الطرف المعمد، في حال رفضت جميع الزوجات العيش بسلام مع زوجها المسيحي. فيسري الإنعام بحسب القوانين (ق: 854- 858) وكما وضّحنا في الجزء الأول من هذا المقال. فيقوم الزوج بزواج جديد وفق الشرع الكنسي الكاثوليكي، مع حصوله على الإنعام البولسي، والذي بدوره يحلّهُ من كل زوجاته السابقات. ويسري هذا الإنعام ايضا على المرأة المعمدة، والتي كان لها قبل العماد عدّة ازواج غير معمدين، يرفضون البقاء معها، رافضين ايمانها الجديد ومانعيها من عماد الاولاد. بهذا يمكنها الزوجة الاحتفال بزواج جديد، والذي يحلّها من أزواجها السابقين، بحسب الصيغة المقررة في الشرع الكنسي.

القسم الثاني: في حال الحرب او الإضطهاد او السجن

في حال حدوث الظروف الآتية: بُعد المسافة بين الزوجين غير المعمدين بسب الحروب او إضطهاد أحدهم، والهروب الى مكان أخر، او السجن لأحدهما لعلّة ما، والتي تسبب استحالة ديمومة الحياة الزوجية، وإهتدى أحدهم واقتبل العماد الكنسي الكاثوليكي، فيمكنه الحصول على الإنعام البطرسي بزواج جديد من طرف مسيحي معمد، وحّل رباط زواجه الاول. أمّا لو اعتمد الطرف الثاني ايضا مع بقاء أسباب استحالة إستئناف حياتهم الزوجية، للأسباب اعلاه نفسها، فيمكن لكلا الطرفين الاحتفال بزواج جديد، بالإنعام البطرسي، وذلك على شرط ان لا يكون زواجهم الاول قد إكتمل (اي ان الزوجين لم يقوموا بالعلاقة الزوجية الجنسية) بعد نيلهما سر العماد. والحال يمكن إعتبار أن الزواج الاول وبعد معموديتهم ب “زواج صحيح غير مكتمل”[3]، والذي يمكن فقط لخليفة مار بطرس “البابا” حلّهُ لسبب خطير، والذي ممكن ان يكون الاضطهاد او الحرب او السجن سبباً كافيا ًلاستحالة إكمال حياتهم الزوجية. فبعد نيلهم الحلّ “بالإنعام البطرسي” من هذا الزواج يمكن الاحتفال بزواج ثاني، مع مراعاة الصيغة المقررة في الشرع وسريان القانون (853). أما في حال تمت “العلاقة الزوجية” بعد نيلهم العماد، فيعتبر ان زواجهم الاول (الذي كان قبل العماد) هو “زواج صحيح ومكتمل”، وبهذا لا يمكن لأي سلطة بشرية حلّه او إبطاله، لأي سبب كان، ما عدا الموت (ق853)، فلا يمكنهم الاحتفال بزواج جديد، ولا يسري عليهم الإنعام البولسي ولا البطرسي.

القسم الثالث: الشك في وجود عقد الزواج

المبدأ الأساسي في حال وجود “الشك” في منح سر الزواج من عدمه، هو ما ينصه القانون (779) : “ينعم الزواج بحماية الشرع، ولذلك في حال الشك يجب الأخذ بصحة الزواج، الى ان يثبت العكس”. الا إن القانون (861) يحيد عن هذا المبدأ، وينص على: “في حال الشك ينعم إمتياز الايمان برعاية الشرع”. في القانون (779) الزواج هو من ينعم بحماية الشرع، في حين القانون (861) يشير الى ان الإيمان هو من يمتاز بحماية الشرع وليس الزواج. فإذا وجد “الشّك” في وجود “عقد الزواج بين زوجين غير معمدين”،  فسيكون الإيمان المسيحي “اي اقتبال الايمان المسيحي والعماد لأحد الطرفين”، سيكون السبب الوحيد لمنح الإنعام البطرسي، وحل الزواج القائم بينهم لصالح الطرف المعمد الجديد.

هناك جدالٌ ونقاش مستمر حول القانون (861)، وكيف يمكنه تفسير “فسخ” او “إبطال” الزواج الاول المعقود بين غير المعمدين. من اجل فهم هذه الاشكاليّة ساعرض مثالا توضيحيّا:

تزوج رائد “مسيحي” من زينة “صابئة مندائية”، وانجبا طفلا واحدا، وبعد فترة اعتمدت زينة أيضا على يد كاهن كاثوليكي، وأكملت حياتها مع زوجها. فاصبح “عقد” الزواج القائم بينهم “سراً”، كونهم معمدين، وهذا من حيث القانون. إكتشفت الزوجة زينة بان زوجها رائد ليس مسيحياً او هناك شكٌ في معموديته، وبالتحقيق تمكنت من إثبات ذلك، فلم يعد رائد مسيحياً. بالنتيجة فإن عقد زواجهم ليس سراً كما افترضنا اعلاه، ولهذا يمكنها بالإنعام ان يتمّ فسخ الزواج الاول مع رائد والاحتفال بزواج ثانٍ، اذا ما رفض الزوج “رائد” العماد ثانية، وإستئناف حياته الزوجية من جديد، ومع مراعاة سريان الشرع الكنسي.

كخلاصة نقول، أن الكنيسة تسعى الى الحفاظ على مؤمنيها وعلى ايمانهم الشخصي، وضرورة ممارسته وعيشه وتعليمه. وما الإنعام البولسي او البطرسي الا نعمة من خلالها تصل الى مؤمنيها المرتبطين اليوم بزواجات مختلطة (من أديان أُخرى)، فتحاول الوقوف الى جانبهم والى جانب اولادهم عند حاجتهم لها، خاصة عندما يتعلق الموضوع بخطر فقدانهم الايمان.

                                                                الاب ثائر الشيخ

[1]  الوثائق: البابا بولس الثالث (1/6/1537)، البابا بيوس الخامس (2/8/1571)، البابا غريغوريوس الثالث عشر (25/1/1585). الدستور الاول “Altitudo” قد وجّه الى سكّان أراضي الهند الغربية والجنوبية، الذين يبيحون تعدّد الزوجات، وبالتالي يُمنح الحقّ للزوج المعمّد في أن يختار احداهنّ للارتباط بها، ولو لم ترغب في اعتناق الايمان المسيحيّ. اما الدستور الثاني “Romani Pontificis” فيتيح للطرف المعمّد ان يختار بين زوجاته المرأة التي ترضى بالعماد معه، بالرغم من علمه بمن هي الشرعيّة او التي تستمرّ بمساكنته. كما وان النصوص القانونية هذه قد وضعت لمصلحة الآباء اليسوعيين الموكل اليهم تبشير الاراضي الجديدة (أميركا، التيبت، الصين، اليابان…) بُغية حلّ مشكلة تعدّد الزيجات. وقد صدرت تعليمات حبرية في ما خصّ أصول المحاكمات وشروط التفسيح عن الكرسي الرسولي، اولهّا سنة 1934، ثم وثيقة مجمع العقيدة والايمان Ut notum est  بتاريخ 6 كانون الاول 1973، وقد اُعيد التركيز عليها في الوثيقة Potestas Ecclesias الصادرة بتاريخ 16 شباط 2001.

[2]  من الجدير بالذكر فأن القانون (859 بند 1)، لا يؤكد على ان تحتل الزوجة الاولى الصدارة في إمكانية بقاءها مع زوجها دون الأُخر، وإنما يسمح القانون للزوج او الزوجة بإختيار إحدى الزوجات او الازواج الاكثر ودّاً وتقبُّلا، وإطلاق الاخرين.

[3]  سنتحدث لاحقا في مقال مستقل لاحق عن الزواج الصحيح غير المكتمل، شروط تحقيقه، وإمكانية ابطاله.

About St Thomas

x

Check Also

مقالة: “الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟ 

“الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟  تأليف: الاب فينجينزو أنسيلمو . ترجمة: المطران ...