مقالة: “الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟ 

“الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟ 

تأليف: الاب فينجينزو أنسيلمو .

ترجمة: المطران أميل نونا

لقد سمح لنا الانترنت بالوصول الى غزارة كبيرة من المعلومات لم يكن من الممكن تصوّرها قبل بضع عشرات من السنين. هذه المعلومات يتم تكوينها وتداولها في الشبكة الالكترونية وبمواقع التواصل الاجتماعي بوقت قياسي قصير. الشخص المستخدم للانترنت ممكن ان يتشوش حينما يواجه هذه الكمية الهائلة من الاخبار والبيانات التي تحتوي على وجهات نظر متعددة، والتي كل واحدة منها تحاول ان تؤسّس نفسها وتثبّتها وكأنها الحقيقة. في خضم هذه الفوضى، الاخبار التي تخلق ضوضاء اكثر والاراء التي تكسب اجماع أكثر، او (لايكات: like) اكثر هي التي تُعتبر حقيقية. في هذا المستنقع، الذي من الصعب تخليص النفس منه، كيف يمكن بشكل موثوق تمييز الحقيقة من الكذب؟ ان شلّة الخيوط هي متشابكة ومُضلّلة والمعلومات الزائفة التي غالبا ما تتلاعب بوعي الناس هي متسترة في الانترنت.

البابا فرنسيس خصص رسالته بمناسبة اليوم العالمي للاتصالات الثاني والخمسين لظاهرة “الاخبار الزائفة”. بالنسبة للبابا فرنسيس (ان تأثير الاخبار الزائفة يعود اولا الى قابليتها على تقليد الاخبار الحقيقية كي تظهر نفسها جديرة بالتصديق. ثانيا، هذه الاخبار الكاذبة لكن المعقولة هي (مُربِكة ومُعيبة)، نظرا لكونها تلفت انتباه الناس بواسطة جذبها للصورة النمطية والحكم الاجتماعي العام المسبق، واستغلالها بشكل آني للمشاعر مثل القلق والازدراء والغضب والاحباط). 

الطبيعة الفايروسية والوبائية للاخبار الزائفة او المُحرَّفَة تقفز في الشبكة الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي من اقصى جهة في العالم الى اخرى، جاعلة تميز ومعرفة الحقيقة اكثر صعوبة. مع هذا الاخبار الزائفة ليست ظاهرة حديثة.

الموديل القصصي – السردي – للكتاب المقدس.

الروايات الكتابية، ومنذ البداية، تحذر القارئ من الخطر الكبير الناشئ من الحقائق المُحرَّفة ومن المعلومات الخاطئة والمزوّرة. النتائج هي دائما دراماتيكية مؤلمة للذين يعتمدون على الاخبار الزائفة ويتحمسون مندفعين مع قلقها ومخاوفها، من دون ان يضعوا ايمانهم في كلمة الله، التي هي دائما حقيقية. بالنسبة للقارئ، من الممكن ان تكون القراءة القصصية للكتاب المقدس تجربة وخبرة حقيقية للتمييز، كي يتعلم كيفية تصنيف ما هو حقيقي عن الخسيس (راجع ارميا 15: 19). في القراءة نحن كلنا مدعوين لنميّز مصدر المعلومة؛ ما هو موثوق به وما ليس كذلك، كي لا نُضَلَّل.

ان واجب الراوي ضمن عالم السرد القصصي هو تقديم القصة. يمكن ان نقول ان هذا هو امتيازه. لهذا يلزم ان يتم اعتبار الراوي موجودا وجودا ادبيا في النص، كي لا يتم خلطه مع المؤلفين الحقيقيين. على سبيل المثال؛ سفر الخروج يبدأ: (هذه اسماء بني اسرائيل الذين دخلوا مصر مع يعقوب، كل واحد مع بيته دخلوا) خر 1: 1. هذا هو صوت الراوي الذي يتكلم هنا.

الراوي في الكتاب المقدس، وقبل أي شيء، هو كُلّي العلم، اي العالم بكل شيء، فيعرف كل شيء في القصة التي يرويها، وكذلك يصل الى مشاعر وافكار الشخصيات بما فيها الحياة الداخلية لله. هناك صفة اخرى للراوي وهي انه موثوق به فينقل للقارئ الرؤية الصحيحة والموثوقة للتاريخ. الراوي الكتابي هو ايضا مجهول غير معروف، فهو يقف خلف النص ولا يأتي الى الطليعة والمقدمة. من النادر ان يعبّر الراوي الكتابي – واذا فعلها فيكون بمعنى معين – عن أحكام أو يعطي تقديرات او تخمينات حول الشخصية او الحالة. 

الرواية في الكتاب المقدس، واستنادا الى كل ذلك، تُروى من قبل راوي كُلّي المعرفة وموثوق به. وجهة نظر الله هي موثوقة، بينما وجهات نظر الشخصيات ليست هي فقط متحيزة ومحدودة، بل ممكن ان تكون خاطئة ومُضلّلة (زائفة). ان وجود شخصيات كثيرة في الرواية الكتابية يضاعف من عدد وجهات النظر، بحيث يُقاد القارئ في الرواية خلال خبرة وجود وجهات نظر مختلفة. 

بعض الامثلة ممكن ان تساعدنا على ان نفتهم كيف ان الكتاب المقدس يساعد القارئ ليوزن ويوازن وجهات النظر المختلفة ودرجة موثوقيتها، مُدرِكًا الكلمات التي تعطي الحياة، والكذب الذي يؤدي الى الموت.

1. كلمة الله وكلمة الحيّة.

الروايتان الموجودتان في الفصل الاول من سفر التكوين وفي الفصلين 2-3، واللتان تُقرأن بالتسلسل، هما قصتان للخلقة مُكملتان الواحدة الاخرى، على الرغم من التوتر الموجود بين النصيّن بسبب الاصل المختلف. ميزة الرواي انه ينقل – بمعرفته الكليّة – حتى خلقة العالم: (في البدء خلق الله السموات والارض، وكانت الارض خاوية خالية، وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الله يرفّ على وجه المياه) تك 1: 1-2. هنا ينقل ليس فقط ما يقوله الله (ليكن نور)، بل ايضا ما يشعر به الله حينها (ورأى الله ان النور حسن) تك 1: 4. 

القارئ مدعو ومن الصفحات الاولى للكتاب المقدس الى ان يدخل في علاقة العهد مع الراوي، فالنهايات تستحق المصداقية والتحقيق المسبق لها يتطلب الثقة فيما يقال. الله يقول في الآية 26 من الفصل الاول من التكوين (لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا)، وفي الآية 27 يؤكد الراوي (فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكرا وانثى خلقهم). المعلومات الآتية من الراوي ومن الله هي موثوقة، ووجهتا نظر الاثنان تتفقان.

الفصلان الثاني والثالث ممكن ان يتم قرائتهما مثل الفصل الاول. الفصلان 2-3 ممكن ان يتم فهمهما روائيا مثل زوم (zoom) أي تركيز روائي حول خلقة آدم، الذكر والانثى. بحسب (Jan P. Fokkelman) (حكاية الفردوس، تك 2: 4 ب – 3: 24، بالمعنى الدقيق للكلمة، ليست رؤية اخرى للخلقة، بل دراسة اكثر دقيقة للكائن البشري المخلوق؛ ما هو اصله وعلاقته الاساسية مع الله ومع العالم) . 

في تك 2: 8-9 الراوي يشير للقارئ بان الله غرس حديقة في عدن حيث وضع هناك الانسان: (وأنبت الرب الاله من الارض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل وشجرة الحياة في وسط الجنّة وشجرة معرفة الخير والشرّ) 2: 9. الرب عَهَدَ للانسان مسؤولية ثنائية ليفلح ويحرس الجنّة (تك 2: 15). في هذه النقطة يسلّم الله أمران: (من جميع أشجار الجنّة تأكل، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فأنك يوم تأكل منها تموت موتا) تك 2: 16-17.

كلام الله، قبل اي شيء آخر، يعطي أهمية للبُعد الايجابي للهدية او النعمة. وعن هذا الأمر الالهي يقول (Andre Wenin): (هذا الأمر هو ثنائي، والجزء الاول منه – الذي هو عادة مَنسي – ليس به أي شيء من الحظر او المنع. انه مبدأ ايجابي ان يُؤمَر البشر بألاكل من أية شجرة في الجنّة) . لقد تمّ اعطاء كل شيء لآدم؛ انه ملك الجنّة التي في وسطها توجد شجرة الحياة (تك 2: 9).

في الجزء الثاني من الأمر الالهي، يُدخل الله تحديدا ويعطي للانسان تحذيرا: (لكن أما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فأنك يوم تأكل منها تموت موتا) 2: 17. ماذا سيعمل آدم حينما يواجه الامر الالهي؟ كيف سيفسّر كلمة الله؟ هل سيعرف كيف يُصغي بعمق، ام سوف لا يفتهم الذي قيل له؟

في الفصل الثالث من التكوين، تدسّ الحيّة، بكلماتها الاولى، الشكّ في نية ذاك الذي وضع آدم في جنّة عدن. الحيّة تواجه المرأة بسؤال استفزازي ومخادع يُحرّف الحقيقة: (أيقينا قال الله؛ لا تأكلا من جميع أشجار الجنة؟) 3: 1. مع هذه الكلمات تنقل الحيّة صورة عن الله وكأنه المستبد والطاغي، الذي يريد ان يُجَوّعْ خلائقه، حارما اياهم من الغذاء المحتاجين له للعيش. مع هذا فان القارئ يعرف ان كلمات الحيّة لا تتوافق مع الحقيقة، لان الله لم يعطي ابدًا أمرًا كهذا؛ بل على العكس انه عمل شيئا مختلفا تماما، معطيًا للانسان كل شيء عدا شيء واحد. علاوة على ذلك فان الله إن كان قد حرّم ثمر شجرة معرفة الخير والشر، فذلك كي لا يأكل الانسان منها ويموت. أولوية الله هي ان يبقى الانسان حيّا، وليس حرمان الاكل من الشجرة. 

المرأة تجاوب بخجل مُحاولةً ان تنكر ما أدعته الحيّة: (من ثمر أشجار الجنّة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنّة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه كيلا تموتا) 3: 2-3 . يبدو ان رؤية حواء قد انحرفت. المرأة لا توافق الحيّة، لكن ايضا تُغيّر كلمات الله، جاعلة الحرمان اكثر اهمية من الهدية او النعمة. 

بالاضافة الى ذلك، يتوسع الحرم من الاكل في كلمات حواء الى اللمس ايضا. ومن وجهة نظر حواء يبدو الحرم اكثر صرامة. كذلك ايضا ومن وجهة نظر المرأة فان الشجرة المحرّمة هي لوحدها في وسط الجنّة، بينما الله وضع كلا الشجرتين بالوسط (2: 9). بحسب (Wenin): (الشجرة المُحرَّمة تأخذ كل المجال وتصبح بشكل محدد الشجرة التي تُخفي الغابة محتوية كل ما تمّ اعطائه) . 

الحيّة عكَّرَت المياه لتشوش المرأة. من السهل الضياع، في لعبة وجود وجهات نظر عديدة، إن لم يبقى القارئ يقظًا في تقدير الرؤى المختلفة جاعلا من وجهة نظر الله والراوي مثل مسطرة قياس ليميّز الحقيقة. ان حيلة الاخبار الزائفة التي لعبتها الحيّة لم تقتصر على تحريف وتشويش حواء: فالنتيجة المقصودة هي التلاعب بحواء واغوائها، من اجل قيادتها الى ان تنتهك وتخالف الكلمة الالهية. السمّ الاخير الذي تمّ غرسه من قبل الحيّة هي الكلمات التي تُولِد صورة عن الله وكأنه إله حسود يريد ان يُبقي الرجل والمراة في حالة الخضوع والدونية: (موتًا لا تومتان، فالله عالم انكما في يوم تأكلان منه تنفتح اعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشرّ) 3: 4. 

حتى هذه الكلمات هي زائفة. صوت الله والراوي كانا قد اخبرا مسبقا القارئ بان آدم، الرجل والمرأة، قد خلق على صورة الله (تك 1: 26-27). الرجل والمرأة لا يحتاجان الى ان يكافحا من اجل ان يصيرا ما هم عليه بالاساس. ليس هناك أمر بالتخريب ولا خصم يلزم التغلب عليه كي يحصلا على موقعهما ومكانتهما. لكن حواء وقعت في مصيدة الحيّة ولم تعد تثق بالله.

(رأت المرأة ان الشجرة طيبة للاكل ومُتعة للعيون وان الشجرة مُنية للعقل) 3: 6. في مركز تفكير المرأة ورغباتها هناك الشجرة المحرّمة فقط، بينما الاشجار البقية، الجميلة ايضا والجيدة، تتلاشى من رؤيتها (راجع 2: 9). الحيّة بَنَتْ صورة كاذبة عن الله وكأنه المستبد والمتعسف وعدو الرجل والمرأة، غارسة الشك والارتياب حول طيبة كلمة ونعمة الله. البابا فرنسيس يكتب: (هذا الحدث الكتابي يلقي الضوء بشكل كبير على عنصر اساسي: ليس هناك مَثيل للمعلومات الزائفة غير الضارة؛ وعلى العكس تماما، الثقة بالكذب ممكن ان يكون لها عواقب وخيمة. ان التشويه الذي يبدو طفيفا للحقيقة ممكن ان يكون له تأثيرات خطيرة) .

 

 


[1]  هذا البحث القصير نُشر في مجلة (La Civilita` Cattolica) عدد كانون الثاني 2019. وهي مجلة شهرية عريقة وقديمة يصدرها الاباء اليسوعيين في روما. وبسبب طول البحث فقد قسمته الى جزئين، وسننشره تباعا.

[1]  المؤلف هو كاهن يسوعي ايطالي من مواليد 1979، وهو حاليا استاذ الكتاب المقدس واللغة العبرية في السمينير الحبري في نابولي – ايطاليا.

[1] J. P. Fokkelman, Come leggere un racconto biblico, Bologna, EDB, 2015, 132.

[1] A. Wenin, DA Adamo ad Abramo o L`errare dell`uomo, Bologna, EDB, 2008, 45.

[1] A. Wenin, DA Adamo ad Abramo o L`errare dell`uomo, Bologna, EDB, 2008, 69.

[1] A. Wenin, DA Adamo ad Abramo o L`errare dell`uomo, Bologna, EDB, 2008, 45.

[1] A. Wenin, DA Adamo ad Abramo o L`errare dell`uomo, Bologna, EDB, 2008, 69.

About St Thomas

x

Check Also

مقالة: القسم الثاني (“الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟) لسيادة المطران مار اميل نونا

  “الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟  تأليف: الاب فينجينزو أنسيلمو. ترجمة: المطران ...