مقالة: الإنعام البولسي والبطرسي- الإنعام البولسي. للاب ثائر الشيخ

الإنعام البولسي والبطرسي

يوحي هذا العنوان “الإنعام[1] البولسي و البطرسي” منذ البدء، بالعلاقة ما بين هذين الرسولين والتشريع الكنسي القانوني. ويتبادر الى اذهاننا السؤال عن ماهية هذا الإنعام، والذي يمكن ان تمنحه الكنيسة الكاثوليكية بمختلف كنائسها، الى فئة دون الاخرى من ابناءها المؤمنين، ولمن هو؟ اننا في صدد إيضاح الإنعام، وكيف يُمنح، ولصالح من؟

سنعالج في المقال الاول “الإنعام البولسي” فقط، على ان نكمل موضوع الإنعام البطرسي في الجزء الثاني من هذا المقال.

الإنعام البولسي

 (الإنعام البولسي في حال وجود الزوجة الواحدة)

إن آيّة “ما جمعهُ الله لا يفرّقهُ انسان” (متى 19: 6) تشير الى ان الزواج هو شركةُ حياةٍ دائمة، والازواج عليهم ان يبذلوا كل مجهودهم لإكماله طوال حياتهم. فلا يمكن حلّ سر زواج “صحيح”[2] من اي سلطةٍ بشريةٍ كانت، كنسيّةٍ او مدنيّة، ولأيّ سببٍ كان ما عدا الموت. كما ان الزواج اذا ما تمَّ برضى الزوجين، واكتمل بالوصال الزوجي[3]، فلا حق للأزواج ايضاً ابطالُهُ، كونه “سراَ”، فهو يفوق ارادتهم ايضاً.

إلا إننا في موضوع الإنعام البولسي، نتحدث عن حلّ “عقد[4] الزواج” القائم بين شخصين “غير معمدين”[5]، أحدهما إعتنق الايمان المسيحي “الكاثوليكي”، وحصل على سر العماد “الصحيح”[6]، مع بقاء الطرف الثاني من الزواج على دينه وإيمانه ايّ كان. لذا فحلُّ عقد الزواج هذا سيكون لصالح الزوج المعمد فقط، والذي سيحضى بالانعام البولسي، فينعم بزواج ثانٍ، مع سريان ما يقتضيه الشرع[7].

إن بحثنا هذا، سيتناول الزواج “الصحيح الطبيعي واللااسراريّ”[8]؛ كون إن هذا الزواج هو طبيعي وليس سراً فهو “عقد” وليس “عهد”. والعقد يتسم بقابلية الإنفصام[9]. وبالتالي يمكن فسخ العقد بطلبٍ من الطرف المهتدي الى المسيحية، لصالح ايمانه، لكن، تحت شروط محددّة يقرّها القانون الكنسي، وكون إن الكنيسة تضع “الإيمان” في أعلى سُلّم الرباط الزواجيّ، وهكذا سيكون “الايمان” السبب من أن يستفيد الطرف المُهتدي المسيحي من إنعام او إمتياز البولسيّ أو بطرسيّ وبحسب حالته.

إن مصدر هذا الإنعام “البولسي” يعودُ الى القديس بولس الرسول. ففي رسالته الاولى الموجهة الى أهل كورنثس (1 كور 7: 12-15)[10] يسلط الضوء على حصول الإنعام للشخص الذي إقتبل الايمان المسيحي، ويعيش برفقة زوج او زوجة ترفض هذا الايمان، ولا يرغب الإستمرار في هذا الزواج بسبب الايمان الجديد الذي اقتبله زوجه، مهيناً في الوقت نفسه الرب الخالق، وغير محترمٍ للشريعة الطبيعية في زواج الطبيعي[11]. القديس بولس يؤكد، في الوقت نفسه، على أن الطرف الغير المسيحي إذا رغب البقاء في شركة حياة زوجية ومن دون إهانة للخالق، فليبقى هذا الزواج “الطبيعي” قائما بين الطرفين “المعمد وغير المعمد”، وعلى ان “يُقدس”[12] الزوج المسيحي الزوج غير المؤمن. وبهذا فلا يحق له الإستفادة من الإنعام “البولسي”. أمّا اذا اعتمد الطرف الاخر غير المسيحي أيضا بعد عماد الطرف الاول، فالزواج هنا يصبح “سرّاً” كما هو الحال في زواج المعمدين.

إن مجموعة قوانين الكنائس الشرقية[13] تنظّم هذا الإنعام ضمن مادته القانونية، وتحدّد شروطا لهذا الإنعام. سنستعرض هنا هذه الشروط، وهي مُستقاة من رسالة بولس الرسول الاولى ذاتها الى اهل كورنثس. ففي القانون (854 البند 1و 2) يسرد هذه الشروط، كالأتي:

  1. ان يكون الزوجان “غير معمدين” قبل الاحتفال بزواجهما الطبيعي المدني او الديني الذين ينتميان اليه؛
  2. الزوج غير المسيحي يمنع الزوج المسيحي “المعمد لاحقا بعد الزواج” من ممارسة ايمانه الجديد، لا بل يُهين خالقه، ويمنعُ الاطفال من العماد والتنشئة المسيحية، ويفرض ممارسات منافية لاخلاقيات الزواج الطبيعي (مثلا مساكنة عدّة زوجات)، مؤكداً عدم رغبته العيش بسلام مع الزوج المسيحي، والانفصال عنه.
  3. سيتمتع الزوج المسيحي “الكاثوليكي” بحصوله على الانعام البولسي، وبزواج ثانٍ، وبهذا ينحلُ الزواج الاول، من دون حكم او قرار.

ومن أجل تطبيق الإنعام البولسي، والتيقن والحيطة من خطر التضليل، وعدم الإخلال بحقّ الطرف الغير المسيحي، تؤكد القوانين (855 و 856 و 857) على ان يقوم الرئيس الكنسي المحلي “الاسقف الإيبرشي”، للكنيسة التي انتمى اليها الزوج المعمد، بالتحقيق واستجواب الزوج الغير المسيحي، فإمّا ان يقبل إيمان زوجه الجديد، وكل ما يترتب عليه من ممارسات وتنشئة ايمانية مسيحية، وللأولاد ايضا، او يحصل على الإنعام البولسي اذا ما رغب بذلك وقت ما يشاء، ويحلّ عقد زواجهم، والسماح للزوج المسيحي الاحتفال بزواج ثانٍ.

إن هذا التحقيق والاستجواب، الذي يقوم به الاسقف الايبرشي، يجب ان يكون إصولياً وقانونياً مثبّتاً وموقعاً من قِبل الطرفين. فيمنح الإسقف للزوج الغير المسيحي وقتاً مناسباً ومحدداً للتفكير ومراجعةِ ذاتهِ. فاذا كان الجواب سلبي، او لم يعطي الجواب في حينه، او إمتنع عن الحضور والاستجواب، فيحصل عندها الزوج المسيحي على الإنعام البولسي بزواجه من طرفٍ أخر. كما يمكن للإسقف الإيبرشي الامتناع من إجراء التحقيق اذا ما رأى بفطنته انه غير مجديّ، أو ان يُحيل التحقيق الى الزوج المسيحي للقيام به.

ولأجل إيضاح الامر اكثر، سأقدم ثلاثة حالات توضيحية لإمكانية تطبيق الإنعام البولسي من عدمه:

  1. تزوج[14] سام “بوذي” من سارة “ملحدة” وانجبا طفلين. فتعرف سام على كاهن كاثوليكي، وبدء بالتردد الى الكنيسة الكاثوليكية، واخذ دروساً في التعليم المسيحي بمرافقة الكاهن الكاثوليكي، فقرر سام ان يُصبح مسيحياً، وإعتمد على يد الكاهن الكاثوليكي. هنا بدءت الزوجة ترفض ايمان زوجها الجديد وتمنعه من عيش ايمانه وعماد اطفالهم، وتهين ما يؤمن به سام من ايمان ومعتقد، ولا تريد العيش بسلام معه، ولا ان تكمّل حياتهما الزوجية معا. وتعلن بذلك امام الرئيس الكنسي الكاثوليكي للكنيسة التي انتمى اليها سام. فتعرف سام على بنت مسيحية كاثوليكية وطلبها للزواج. هنا بنيله “سرّ الزواج”[15] المسيحي الكاثوليكي يعتبر زواجه الاول محلولاً بالإنعام البولسي.
  2. تزوج ادم “مسلم” من لينا “صابئة مندائية”، وانجبا طفلا واحدا. فتعرّفت لينا على شاب مسيحي كاثوليكي، فعرّفها على ايمانه المسيحي، فارادت ان تُصبح مسيحية وتتعمد. وبعد فترة، تعمّدت لينا على يد الكاهن الراعي لخورنة الشاب الكاثوليكي. وارادت لينا ان تعمّد طفلها ايضا وان تعلمه وتنشئه على الايمان الكاثوليكي. فلم يرفض الزوج ادم هذه الرغبة، واراد ان يعيش مع زوجته لينا المسيحية بسلام ومحبة، دون ان يهين ايمانها الجديد، وعلى أن يعيش هو أيضا ايمانه ومعتقده. الا ان لينا حينها احبت شخصا مسيحيا كاثوليكيا وارادت الحصول على الإنعام البولسي والزواج من الشخص المسيحي. في هذه الحالة لا يُمنح الإنعام لصالح الزوجة لينا، وهذا لعدم وجود خطر يهدد ايمانها المسيحي، وإحتراما للزوج ولعقد الزواج الصحيح الطبيعي القائم بينهما، وبالتالي، لعدم اكتمال شروط منح الإنعام البولسي.
  3. تزوج مروان “أيزيدي” من وردة “زردشتيّة”، وانجبا طفلتين. تعمّد مروان في الكنيسة الكاثوليكية، واراد ان يعمّد ابنتاه، وفي الوقت نفسه طلب من زوجته ان تعتنق الايمان المسيحي الكاثوليكي ايضا فرفضت. وبعد فترة من عماد ابنتاه، اراد الحصول على الإنعام البولسي والزواج من بنت مسيحية للحفاظ على ايمانهم الجديد. وبعد الحديث مع زوجته وردة اقتنعت هي ايضا ان تعتمد وتكون مسيحية، وبهذا تكون العائلة كلها اقتبلت العماد والايمان الكاثوليكي. هنا يصبح عقد زواجهم الاول الذي جمعهم قبل عمادهم “سرّاً” مسيحيا كاثوليكيا، لا يمكن حلّه بعد ذلك بمنح الإنعام البولسي لأي طرفٍ منهم.

أخيرا، بعد أن يتحقق إمكانية الحصول على الإنعام البولسي، بوسع الرئيس الكنسي المحلي، ولأسباب هامة وخطيرة متعلقة برغبة الطرف المعمد في زواج جديد، ان يمنح “التفسيح”[16] له بعقد زواج جديد، يمكن ان يكون هذا الزواج مع طرف غير كاثوليكي (ارثذوكسي او بروتستانتي)، لا بل وحتى من طرف غير معمد (ق: 803)، على ان يُتمم الشروط الواردة في القانون (813) والمتعلقة بالزواجات المختلطة.

                                                                بقلم الأب: الاب ثائر الشيخ

 

 

 

 

[1]  إنعام: إسم يدل على الإعطاء. فالإنعام هو عطية، او مصدر العطايا. ويأتي المصطلح القانوني في إشارة الى منح “عطية من الرسول بولس او بطرس.

[2]  المقصود بكلمة “صحيح” ان الزواج تم ضمن الشروط التي وضعتها الكنيسة في منح السر، مع خلو السر من وجود اي مانع كنسي او الهي او طبيعي.

[3]  تمثل العلاقة الزوجية الجنسية فعلا مهما لإكمال قدسيّة وسريّة الزواج، فمن دون هذه العلاقة يبقى السرّ غير مكتمل ويمكن ان يشوبه البطلان. وهذا النقص او العيب يسمى “الزواج الصحيح غير المكتمل” اي ان الزواج من حيث الشرع هو كامل، فلا وجود لمانع قانوني، لكن من حيث السرّ هو ناقص. ويمكن ان يحدث عدم الاكتمال لأسباب نفسيّة او عجز جنسي من احد الازواج، او خلافات تحول دون إكماله واقعيا.

[4]  من المهم التمييز بين الزواج المسيحي وبين الزواج في الاديان الاخرى وحتى المدني. فالزواج المسيحي هو “عهد”، متمثلا بعهد المسيح للكنيسة، والذي لا يمكن ايقافه او إبطاله، والذي يربط الزوجين بوثاق عهدٍ مع الله، لذا لا يمكن إبطاله الا في حال وجود خلل في إقامته، وبالتالي فهو باطلٌ من نشئته. بينما تمتاز الزواجات الاخرى بين باقي الديانات وحتى المدني بأنه “عقد”. هذا العقد قائم بين شخصين يمكن ابطاله في حال خلاف احد الأزواج بالعقد، وكونه غير ملزم بشريعة الاهية.

[5]  “غير المعمدين” من لاينتمون الى كنيسة ارثذوكسية او جماعة مسيحية بروتستنتية او إنجيلية. الا انه يمكن ان يكونا مِن مَن ينتمون الى جماعة تدّعي المسيحية، ولكونها تمنح سر العماد بشكل خاطئ، فيُعتبر ابناءها بالنسبة للمسيحيين غير مسيحيين.

[6]  يتم منح العماد بشكل صحيح: بغسل الماء الطبيعي، وبدعوة الثالوث القدس من قِبل خادم السر الكاثوليكي “الكاهن”.

[7]  مفردة “الشرع” تشير الى ما يطلبه القانون الكنسي من شروط استعداداً للإحتفال بزواج ثانٍ.

[8]  نقصد بهذه المفردات التالية ما يلي: الصحيح: اي ان الزواج تم بحسب ما يرسمه الشرع الخاص في ذلك الدين او المعتقد، مثلا زواج امام رجل دين، او رئيس القبيلة وبموافقة الاهل والأعراف. الطبيعي: إنه زواج تم بما هو متعارف عليه في كل الزواجات، وغير منافيٍ للطبيعة والأخلاق العامة، مثلا رجل كامل مع إمراءة كاملة، بالغين السن القانوني، ومتجاوزين الدرجة الرابعة من القرابة الدموية. اللاأسراي: اي ان الزواج ليس سراً كنسيا”، كونه تم بين غير المعمدين، اي غير متزوجين في احضان الكنيسة، وأمام الكاهن.

[9]  يتميز الزواج المسيح كونه “عهداً” ابديا، غير قابل للإنفصام او الفسخ. على غرار العهد القائم بين المسيح والكنيسة. بينما الزواجات الاخرى في مختلف الاديان والأعراف الإجتماعية فهو “عقد”، يمتاز بقابلية إنحلاله في حال رفض احد الأزواج استمرار الحياة الزوجية بينهم.

[10]  “وأَمَّا الآخَرونَ فأَقولُ لَهم أَنا لا الرَّبّ: إذا كانَ لأَخٍ امرَأَةٌ غَيرُ مُؤمِنةٍ ارتَضَت أَن تُساكِنَه، فلا يَتَخَلَّ عنها، وإِذا كانَ لامرَأَةٍ زوجٌ غَيرُ مُؤمِنٍ ارتَضى أن ُيساكِنَها، فلا تَتَخَلَّ عن زَوجِها، لأَنَّ الزَّوجَ غَيرَ المُؤمِنِ، يَتَقدَّسُ بِامرَأَتِه، والمَرأَةَ غَيرَ المُؤمِنةِ تَتَقدَّسُ بِالزَّوجِ المُؤمِن، وإِلاَّ كانَ أَولادُكُم أَنجاسًا، مع أَنَّهم قِدِّيسون. وإِن شاءَ غَيرُ المُؤمِنِ أَن يُفارِق فلْيُفارِق، فلَيسَ الأَخُ أَوِ الأُختُ في مِثْلِ هذه الحالِ بِمُرتَبِطَيْن، لأَنَّ اللّهَ دعاكُم أَن تَعيشوا بِسَلام”. مع العلم ان البابا اينوشنسوس الثالث (1198-1216) قد وضع اولى التنظيمات لذلك في مرسومين له “Quanto” و”Gaudemus”، قبل ان تتبنّاها مجموعة قواني الكنيسة اللاتينية (1917 و1983) ولاحقاً مجموعة قوانين الكنائس الشرقية (1990).

[11]  ممكن للطرف الغير المسيحي مثلا نأأن يقوم بزواجات كثيرة من زوجات متعددات.

[12]  “يُقدس”، تشير هذه الكلمة على قوة نعمة الزواج، والتي هي من إرادة الخالق، فيعمل الطرف المسيحي بإيمانه وصلاته ومثاله واخلاقه، على ان يُقدس حياة الطرف الغير المسيحي، فيُصبح نموذجاُ له، الى أن يقتبل هو أيضا الايمان المسيحي.

[13]  يجدر الاشارة الى ان الكنيسة الكاثوليكية الجامعة لها مجموعتان قانونيتان مستقلتان، الاولى هي مجموعة قوانين الكنيسة اللاتينة (CIC- 1983)، ومجموعة قوانين الكنائس الشرقية (CCEO- 1990).

[14]  الزواج المعقود بين غير المعمدين يجب ان يخضع ايضا لحكم زواج مدني او زواج بأي معتقدٍ ديني آخر للذي يؤمن به الطرفان. والا فلا يمكن ان يُمنح الإنعام الى شخصين لم يتزوجا رسمياً مدنياً او دينياً او بتقليد إجتماعي مُتعارف ومتفق عليه، وإنما كانا مثلاً يعيشان حياة زوجية من دون اي رابط زوجي حقيقي ديني او مدني.

[15] سيتم الاحتفال بالزواج في الكنيسة التي انتمى اليها “سام” بالمعمودية، كما هو الحال في زواج كل المؤمنين المسيحين. ان الإنعام سيمُنح لحظة الحصول على سر الزواج، فبعد التحقيقات التي يقوم بها الاسقف يحصل “سام” على إبطال زواجه الأول، وفي نيله السرّ يُحل من زواجه السابق، ويُربط بسرّ زواج مسيحي جديد.

[16]  “التفسيح” هي “رخصة او سماح” يمنحها الرئيس الكنسي الايبرشي يعفو بها من احدى الموانع الكنسيّة فقط التي يمكن ان تبطل الزواج.

About St Thomas

x

Check Also

مقالة: “الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟ 

“الاخبار الزائفة” والكتاب المقدس: اي كلمة لها المصداقية؟  تأليف: الاب فينجينزو أنسيلمو . ترجمة: المطران ...