القناعة: مقالة لسيادة المطران مار اميل نونا

القنـــاعـــة

 

في مسيرة حياتنا الإنسانية هناك مفاهيم تظل باستمرار مصدر نقاش وشك واختلاف. السبب في ذلك هو طبيعة تكوين الإنسان القادر على التطور والنضوج والتأقلم مع أوضاع وحالات ومفاهيم جديدة ومختلفة ومتطورة.

في موضوع القناعة هناك اختلاف كبير في طريقة فهمها من شخص الى آخر، ومجتمع الى آخر، وزمان وآخر. الوضعية الحالية في النظام العالمي الجديد تضع الإنسان بمواجهة تحدي كبير فيما يخص القناعة. فليس من السهولة الاقتناع في حياتنا اليوم: الاقتناع بأي شيء وكل شيء. توجد صعوبة في الاقتناع بالوضع الفكري او المادي او الاجتماعي او السياسي او… لهذا يبدو ان موضوع القناعة لم يعد ذا أهمية كبيرة.

المشكلة لا تكمن – كما نراها نحن – في موضوع القناعة بحد ذاته بقدر ما يتعلق بطريقة فهم الموضوع نفسه: ماذا نفتهم من القناعة؟

يأتي الجواب سريعا وبسهولة: ان يرضى الإنسان بحدود معينة في حياته في كل شيء يخصه بالحياة. القناعة هي – كما هو متداول عنها – ان الإنسان يقف عند نقاط معينة في امتلاكه او تحصيله للأشياء بمختلف أشكالها إن كانت مادية او فكرية او اجتماعية او… ان يكون الإنسان قنوعا يعني – حسب كثيرين – ان يستسلم لحدود معينة في مسيرة حياته، فيصبح شخصاً كابتاً لقدراته ورغباته وطموحاته.

أسباب ذلك تكون إما لأنه لا يستطيع ان يحصل على ما يريد فيلجأ الى مفهوم القناعة، او لان الحصول عليها يجلب انتباه الآخرين له في مجتمعه، او في بعض الأحيان يُعزى سبب القناعة الى مبررات دينية، فالإيمان هو مع الشخص القنوع، كما يُشاع!

هذه النظرة الى القناعة هي السائدة عند القسم الأكبر من الأشخاص في مجتمعنا. لهذا وللوضعية الحالية لحياتنا، والتي تكلمنا عنها أعلاه، لم يعد هذا الموضوع بذا أهمية في الحياة، فلم نعد نسمع عن القناعة كثيرا في حياتنا.

ان نظرتنا المسيحية للقناعة تعطينا بُعداً عميقا ومختلفا لهذا الموضوع: القناعة في إيماننا تعني ان الإنسان عليه ان يتعرف بشكل عميق على شخصيته الإنسانية: ما هي طبيعته البشرية، ولاي اتجاه يميل في مواهبه وقدراته ورغباته، وما هي الأشياء التي يستطيع – بما عنده وما هو عليه – ان يحققها بسهولة ونجاح، وكيف يختار طريقه في العالم على أساس الجوانب التي هو فيها متفوق وعنده الإمكانية الشخصية الفكرية والنفسية والجسدية والروحية لتحقيقها.

عندما يصل الإنسان في معرفته الى نقطة الجواب على هذه التساؤلات العميقة عن نفسه، حينها يبدأ في اختيار وتحقيق ما يستطيع ان يعمله ويقوم به بنجاح في مسيرة الحياة بشكل يفيد ذاته والآخرين والمجتمع. اذن القناعة هنا هي معرفة للذات واختيار وتحقيق الطريق المناسب لشخصية الإنسان وطبيعته التي هو عليها.

عكس مفهوم القناعة اعلاه هو حينما لا يعرف الإنسان ذاته جيدا فيحاول ان يقوم بعمل أشياء كثيرة واختيارات عديدة مغيّراً طريقه كل مرة، وآخذاً بيده نواحي متنوعة دون ان يحقق بشكل صحيح أية واحدة منها. مثل الشخص الذي يريد ان يأخذ كل شيء من أي شيء بخصوص النواحي المادية او حتى الجوانب الفكرية والاجتماعية، حيث نرى أشخاصا مثلا يكتبون في التاريخ والمسرح والشعر والسياسة والرياضة وحياة البشر ونفسية الانسان و…

إن كانت للقناعة بحسب نظرتنا الإيمانية، مكانة في مجتمعنا حينها سيتطور هذا المجتمع بشكل سلس وسريع ومريح للكل في كل الجوانب؛ الأخلاقية، العلمية، الاجتماعية، الروحية… لان كل واحد يأخذ عندها مكانه ويعطي ما هو متفوق فيه.

القناعة هي ان تعرف ما أنت عليه وماذا تريد وكيف تحقق ذلك.

 

المطران

أميل شمعون نونا

 

 

About wassan sitto

x

Check Also

فيضٌ من الحب: تأمل السكينة والسلام

السكينة والسلام، حالة وخبرة نعيشها بهدوء كلما زادت ثقتنا، وثبُتَ رجاءنا، و رَسّخَ إيماننا، بأنَّ ...