مقالة: (الانسان “سرّ” في المفهوم اللاهوتي المشرقي) لسيادة المطران مار اميل نونا

الانسان “سرّ” في المفهوم اللاهوتي المشرقي

الإنسان هو سرّ وكل سرّ فيه ثلاث نقاط اساسية: “حقيقة تامّة“، و”علامات” لهذه الحقيقة و”وسائط” لتلمس الحقيقة. في تاريخ الفكر البشري تمّت تجزئة او تقسيم الانسان الى عناصر معينة؛ الجسد والنفس والروح. وممكن ان نقول ان هذا التعامل مع الانسان الواحد، اي تجزئته الى عناصر او اقسام ثلاث، يشير الى ويؤكد مفهوم السرّ. حيث ان التقسيم الى عناصر محددة يعني ان حقيقة الانسان غير قابلة الادراك كليّا وبشكل تامّ. لذلك يتم تجزئته الى عناصر كي يمكن العمل على الاحاطة بها كلّ على حدى في محاولة فهم “سرّ” الانسان. وبالنتيجة الكائن البشري “سرّ” لا يمكن الاحاطة به كله بشكل مطلق.

في حقيقة الانسان يوجد ما يمكن تلمسها به، ويتم التعبير عن ذلك بمفهوم وكلمة (الجسد). وهناك ما يمكن بواسطته الشعور بهذه الحقيقة، ويعبّر عن ذلك بكلمة (النفس). لكن حقيقة الانسان لا يمكن ايضا استيعابها بشكل تامّ إن كان فكريا أو شعوريا، ويعبّر عن هذا البُعد بكلمة (الروح). اذن حقيقة الانسان المنظورة هي ما نسميه (الجسد)، والشعور بالقوة الحيوية التي تعطي دينامية الحياة لهذه الحقيقة هي ما نسميه (النفس)، والبعد العميق للانسان الذي هو غير قابل للادراك بشكل تام يُسمى (الروح).

هذا الطرح لمفهوم سرّ الانسان بابعاده الثلاث هو طرح كتابي ينبع من حضارة ولاهوت الكتاب المقدس المبني على ايمان شعب الله في مسيرته مع الهه الذي رافقه منذ البداية مع أبراهيم. ويختلف بشكل كبير عن ما تمّ طرحه من رُؤى وافكار ونظريات حول الانسان في العالم القديم والحديث ايضا حول الانسان واللجوء الى تقسيمه والاعتقاد بانه اجزاء منفصلة يمكن لها ان تنوجد الواحدة من دون الاخرى.

الفلسفة الاغريقية تربط مفهوم “السرّ” بالعالم الالهي غير القابل الوصول والادراك بشكل كامل من قبل العالم الارضي والجسدي المحسوس. لذا حينما تستخدم كلمة “السرّ” فذلك يعني ان هناك حقيقة غامضة وغير مفهومة ولا يمكن ادراكها ولا يمكن الالمام بها، اي هي عصيّة على المخلوقات لانها تتبع عالم المحسوس والمرئي، الذي هو العالم المخلوق. وهذا ما نراه في موضوه الانسان، حيث ان مصطلح النفس بالنسبة لهذه الفلسفة هو كيان قائم بذاته ينتمي لعالم الالهيات، لكن يتم سجنه بالعالم المادي في جسد مائت. والخلاص الحقيقي هو التسامي عن الماديات والالتجاء نحو الالهيات. اي حينما يتخلص الانسان من الجسد الفاني فان نفسه تتحرر وتعود الى العالم الالهي.

بمقابل ذلك نرى الفكري المسيحي المشرقي يطرح رؤية مختلفة تماما لمفهوم السرّ، والتي بالحقيقة تتجذر بعالم الكتاب المقدس ومعطيات حضارة بين النهرين اكثر مما بالثقافة او الحضارة الاغريقية. كلمة (رازا) في اللغة الكلدانية، والتي هي من نفس جذر اللغة الارامية الأم وايضا اللغة العبرية المستخدمة في الكتاب المقدس، لا تتطابق مع المفهوم اليوناني لكملة “السرّ”. فـ (رازا) كلمة مليئة بالدينامية والحياة. انها مرتبطة – في الكتاب المقدس وعند الاباء المشرقيين – بقصد الله في تاريخ الانسان، وبجوهر الله نفسه الذي يكشفه في هذا التاريخ، والذي سيكون قابلا للعيش معه في الابدية.

الكشف عن جوهر وحقيقة الله في التاريخ مرتبط بالله نفسه الذي يجعل من ذاته مرئية في بعض رموزه واشخاصه لكن بنفس الوقت غير قابلة الادراك كحقيقة كاملة.

حينما يكشف الله ذاته فانه يبقى ايضا المخفي: فصوره تحجبه اكثر مما تظهره، كلما يبدو قريبا، يصبح أكثر بعداً. وهذا ما يمكن ان نراه في هذه الابيات الرائعة لمار افرام الملفان حول الله:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

يا رب في كل مكان اسرارك، ومن كل شيء انت محجوب.  

سرّك هو في العُلى، والعُلى لا يستطيع ان يشعر بك.

سرّك في العمق، والعمق لا يدرك من انت.  

سرّك في البحر، لكنك مخفي من البحر.

سرّك في السماء، لكن السماء لا تعرفك. مبارك المخفي المكشوف (الواضح).

مع ان سرّك صغير، لكنه منبع الاسرار.     من علامة واحدة يشرح الاسرار التي لا تنتهي.

عجيب انت كلك، في كل مكان ابحث عنك.     انت قريب وبعيد، ومن يستطيع الوصول لك[1].

يمكن في هذا النص ايجاد الصلة الرائعة بين الحقيقة نفسها، حقيقة الله التي هي “سرّ”، والكشف عنها في رموزها وصورها. هذه الصور كلما تكشف الله، يصبح هو اكثر مخفيا. هذه الثنائية بين الحقيقة والصورة نفسها في فكر افرام تدعى “دياليتيكا”، وبالضبط هذا هو معنى “السرّ” عند مار افرام.

ان “السرّ” هو هذه الدينامية التي تجيز للطرفين بان يكونا في حركة الواحد نحو الآخر: الله يكشف نفسه والانسان يتعجب امام “سرّ” حقيقته. هنا نرى ان السرّ ليس الحقيقة المخفية بل هو التحرك نحو الآخر: كلما تتم الحركة نحو الآخر، كلما يزداد الـ “جوع” له.

اذن بحسب مار افرام، يوجد في جوهر معنى السرّ هذه الدياليتيكة بين “المخفي” و “المكشوف”، بين “القريب” و “البعيد”: الآخر هو “بعيد” لكن بنفس الوقت هو “قريب”، هو “مكشوف” لكن بنفس الوقت هو “مخفي”. وهذا هو “سرّ” الله: “العيش فيه (الآخر) والعيش نحوه”.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الله الحاضر (المتهيأ) في تمييزه

يقلّل ويزيد العون.

يركض ورائنا كي يحبنا

ويبتعد عنّا كي يتودد لنا (يعطف علينا)

حينما يبتعد عنّا يريد ان ينمو الحب

ويركض وراءه مُدرِكًا اننا لا نستطيع ان ننفصل عنه.

انه يركض ورائنا

كي يبين انه لا يستطيع (ان يصبر) من دوننا.

يبتعد عنَا كي يجعل قوتنا تشتهي وتركض نحو جماله[2].

 

في هذا النص ممكن ان نرى ايضا توضيحا لعلاقة “السرّ” عند مار افرام، حيث ان الله “يركض” نحو الانسان ليحبه و”يركض” بعيداً عنه كي يجعل نفسه اكثر مشتهاة في عيون الانسان. بالضبط هذا هو معنى “السرّ” حيث يشير الى دينامية فعّالة متواصلة بين الطرفين.

اذا رجعنا الى موضوع الانسان، نلاحظ ان المفهوم الكتابي واللاهوتي المشرقي ينظر للانسان كـ “سرّ”. حيث ان ابعاده الثلاثة تشير الى حقيقته التي هي ليست مُدركة بشكل تام بل يمكن الاستدلال عليها من صورها: الجسد (الماديات والمحسوس) والنفس (المشاعر والانفعالات).

كلما نصل الى نقطة من معرفة حقيقة الانسان، بنفس اللحظة نكتشف ان حقيقة هذا الكائن هي اكبر مما تمّ اكتشافه. وهذا يعطينا الدافع لاكتشافات اخرى عن هذه الحقيقة. واستنادا الى هذه الطريقة في رؤية الانسان فان اساس العلاقات الانسانية يتم بنائه بشكل سليم، حيث اننا لا يمكن ان ندعي بمعرفتنا للاخر مهما كان قريب لنا، بل نحن في مسيرة معرفته واكتشافه بشكل مستمر.

اذن مفهوم السرّ في لاهوتنا المشرقي يعطينا هذه النتيجة العظيمة: كلما نقول اننا نعرف ونحب شخص معين، نعترف بنفس الوقت باننا لا نعرفه تماما ولا نحبه ايضا بشكل تام، ولهذا السبب نستمر في معرفته ومحبته. فتكون علاقتنا معه مليئة باكتشاف وحب مستمر وليس اكتشاف وحب مرة واحدة فقط.

فكما اننا نكتشف ونحب الله دائما لانه “سرّ” كبير، كذلك الامر مع الانسان: اننا في اكتشاف وحب مستمر.

 

          المطران

         أميل نونا

سدني: 8/كانون الثاني/2019

[1]  اناشيد الايمان 4: 9 – 10.

[2]  اناشيد الكنيسة 52: 1.

About wassan sitto

x

Check Also

The celebration of the Feast of Epiphany at St. Thomas Cathedral-كاتدرائية مار توما الرسول تحتفل بعيد الدنح المجيد

On the occasion of the Feast of Epiphany (the Baptism) of our Lord Jesus Christ, ...